محمد متولي الشعراوي
5160
تفسير الشعراوى
لحكمة أرادها الحق سبحانه ، فوافقت ما أذن فيه رسول اللّه في التخلف ، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال : وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ وإذا كان التثبيط من اللّه ، فكأنه أوضح لهم : اقعدوا بإذن من الإرادة الإلهية . أو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفّ تراخيهم ، أو أن الشياطين أوحت لهم بالقعود ، فالحق هو القائل سبحانه : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] وهكذا نجد أن كلمة : قِيلَ قد بنيت لما لم يسمّ فاعله لإمكان أن يتعدد القائلون ، فاللّه بتثبيطه لهم كأنه قال لهم : اقعدوا ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم : اقعدوا ، والشياطين حينما زينوا لهم القعود ؛ كأنهم قالوا لهم : اقعدوا . وقولهم بعضهم لبعض زيّن لهم القعود ، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة . وهل ينفى عطاء عطاء ؟ . لا ، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف . وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ والمقصود بالقاعدين هنا : هم الذين لا يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز . فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد . وهذه مسألة ما كان يصح أن يرتضوها لأنفسهم . وفي موقع آخر من نفس السورة قال الحق سبحانه : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 87 ] وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال ، لكنهم ارتضوا لأنفسهم ضعف النساء والأطفال .